الغزالي
70
إحياء علوم الدين
يموت مقربا إلى الله تعالى بنزوعه عن الكفر ، وكم من مسلم يموت شقيا بتغير حاله عند الموت بسوء الخاتمة . فإذا عرف أن الكبر مهلك ، وأن أصله الحماقة ، فيتفكر في علاج إزالة ذلك بأن يتعاطى أفعال المتواضعين وإذا وجد في نفسه شهوة الطعام وشرهه ، تفكر في أن هذه صفة البهائم ، ولو كان في شهوة الطعام والوقاع كمال لكان ذلك من صفات الله وصفات الملائكة ، كالعلم والقدرة ولما اتّصف به البهائم ومهما كان الشره عليه أغلب كان بالبهائم أشبه ، وعن الملائكة المقربين أبعد . وكذلك يقرر على نفسه في الغضب ، ثم يتفكر في طريق العلاج ، وكل ذلك ذكرناه في هذه الكتب ، فمن يريد أن يتسع له طريق الفكر فلا بد له من تحصيل ما في هذه الكتب وأما النوع الرابع : وهو المنجيات فهو التوبة ، والندم على الذنوب ، والصبر على البلاء ، والشكر على النعماء ، والخوف والرجاء ، والزهد في الدنيا ، والإخلاص والصدق في الطاعات ، ومحبة الله وتعظيمه ، والرضا بأفعاله ، والشوق إليه ، والخشوع والتواضع له وكل ذلك ذكرناه في هذا الربع ، وذكرنا أسبابه وعلاماته ، فليتفكر العبد كل يوم في قلبه ما الذي يعوزه من هذه الصفات التي هي المقربة إلى الله تعالى ، فإذا افتقر إلى شيء منها فليعلم أنها أحوال لا يثمرها إلا علوم ، وأن العلوم لا يثمرها إلا أفكار فإذا أراد أن يكتسب لنفسه أحوال التوبة والندم ، فليفتش ذنوبه أولا ، وليتفكر فيها ، وليجمعها على نفسه ، وليعظمها في قلبه ، ثم لينظر في الوعيد والتشديد الذي ورد في الشرع فيها ، وليتحقق عند نفسه أنه متعرض لمقت الله تعالى حتى ينبعث له حال الندم وإذا أراد أن يستثير من قلبه حال الشكر فلينظر في إحسان الله إليه ، وأياديه عليه ، وفي إرساله جميل ستره عليه على ما شرحنا بعضه في كتاب الشكر ، فليطالع ذلك وإذا أراد حال المحبة والشوق فليتفكر في جلال الله وجماله ، وعظمته ، وكبريائه ، وذلك بالنظر في عجائب حكمته وبدائع صنعه ، كما سنشير إلى طرف منه في القسم الثاني من الفكر وإذا أراد حال الخوف فلينظر أوّلا في ذنوبه الظاهرة والباطنة ، ثم لينظر في الموت وسكراته ، ثم فيما بعده من سؤال منكر ونكير ، وعذاب القبر ، وحيّاته ، وعقاربه ، وديدانه ،